ابن أبي الحديد

70

شرح نهج البلاغة

الكبير ، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت . واحذروا يوما عبوسا قمطريرا ، كان شره مستطيرا . أما إن شر ذلك اليوم وفزعه استطار حتى فزعت منه الملائكة الذين ليست لهم ذنوب ، والسبع الشداد ، والجبال الأوتاد ، والأرضون المهاد . وانشقت السماء فهي يومئذ واهية ، وتغيرت فكانت وردة كالدهان ، وكانت الجبال سرابا ، بعد ما كانت صما صلابا ، يقول الله سبحانه : ( ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ) ( 1 ) . فكيف بمن يعصيه بالسمع والبصر ، واللسان واليد ، والفرج والبطن ، إن لم يغفر الله ويرحم ! واعلموا عباد الله أن ما بعد ذلك اليوم أشد وأدهى ، نار قعرها بعيد ، وحرها شديد ، وعذابها جديد ومقامعها حديد ، وشرابها صديد ، لا يفتر عذابها ، ولا يموت ساكنها ، دار ليست لله سبحانه فيها رحمة ، ولا يسمع فيها دعوة ، ومع هذا رحمة الله التي وسعت كل شئ ، لا تعجز عن العباد ، وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ، خير لا يكون بعده شر أبدا ، وشهوة لا تنفد أبدا ، ولذة لا تفنى أبدا ، ومجمع لا يتفرق أبدا . قوم قد جاوروا الرحمن ، وقام بين أيديهم الغلمان ، بصحاف من ذهب فيها الفاكهة والريحان ، وإن أهل الجنة يزورون الجبار سبحانه في كل جمعة ، فيكون أقربهم منه على منابر من نور والذين يلونهم على منابر من ياقوت ، والذين يلونهم على منابر من مسك ، فبينا هم كذلك ينظرون الله جل جلاله ، وينظر الله في وجوههم ، إذ أقبلت سحابة تغشاهم فتمطر عليهم من النعمة واللذة والسرور والبهجة ما لا يعلمه إلا الله سبحانه . ومع هذا ما هو أفضل منه ، رضوان الله الأكبر . أما إنا لو لم نخوف إلا ببعض ما خوفنا به لكنا محقوقين أن يشتد خوفنا مما لا طاقة

--> ( 1 ) سورة الزمر 68 .